عبد الملك الجويني
51
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
أن كل متعلق بمتعلق مختص به ، لا يعلل اختصاصه ، وإنما اختص لنفسه كما تعلق لنفسه ، وليس يسلم لهم أن الدالّ على كون الإله عالما بكل معلوم ، كونه عالما لنفسه ، وإنما الدال عليه وجه آخر . ولا محيص من هذه الطّلبة . على أنهم نقضوا ما أسّسوا ، حيث قالوا : الباري تعالى قادر لنفسه ، ثم زعموا أن كونه قادرا لا يتعلق بجميع المقدورات ، فإن مقدورات العباد ليست مقدورة للباري عندهم ، تعالى اللّه عن قولهم ؛ فهذه صفة نفسية على زعمهم خصّصوها . فإن قالوا : الكلام حروف منتظمة ، وأصوات متقطعة ، فلا وجه لثبوت التكلم ، صادرا عن النفس ؛ وهذا الذي ذكروه تعويل منهم على ما تقرر الفراغ من إبطاله ، إذ قد أثبتنا كلاما قائما بالنفس ، ليس من قبيل الحروف والأصوات والألحان والنغمات . فهذا القدر مقصدنا من تقديم هذه الطّلبات . واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة ، وسائر المخالفين في هذه المسألة ، يتعلق بالنفي والإثبات ، فإن ما أثبتوه وقدروه كلاما ، فهو في نفسه ثابت ، وقولهم : إنه كلام اللّه تعالى ، إذ ردّ إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والتسميات ؛ فإن معنى قولهم : « هذه العبارات كلام اللّه » أنها خلقه ، ونحن لا ننكر أنها خلق اللّه ، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلما به ؛ فقد أطبقنا على المعنى ، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته . والكلام الذي يقضي أهل الحق بقدمه ، هو الكلام القائم بالنفس ، والمخالفون ينكرون أصله ولا يثبتونه ، فتنازعوا بعد إثباته في حدثه أو قدمه . فإذا تعرّضنا للحجاج ، كان مساقه إثبات موجود نفوا أصله ، فنقول : قد ثبت كون الباري تعالى متكلما بكلام ، والعقول تقضي باختصاص كلامه به من وجه من الوجوه . ولا حاجة لتكلف إثبات ذلك بالدليل . ثم لا يخلو الاختصاص المتفق عليه مذهبا المقضى به عقلا : إما أن يكون من حيث كان فعلا للباري ، وإما أن يكون من حيث يختص بصفة أخرى من صفاته النفسية ، أو المعنوية . وقد بطل المصير إلى أن الاختصاص وقوع الكلام فعلا للّه تعالى ؛ فإنا قد أوضحنا بما قدمناه وجه الرّدّ على القائلين بأنّ المتكلم من فعل الكلام . ويبطل تغيير الاختصاص بكون الكلام متعلقا بعلم اللّه وإرادته أو سمعه ، أو بصره ، فإن هذه الوجوه تتحقق في كلام العباد ، مع اختصاصهم بالاتصاف به . ولا يستقيم أن يقال : إن الكلام مختص على وجه بصفة نفسية للباري تعالى ، فإن ذلك إجمال ، لا ادّعاء الاختصاص ، ونحن في محاولة إيضاحه على التفصيل ، فقول القائل : الكلام مختص به ، أو بصفة من صفات نفسه على الإجمال ، من غير تعرض ، لتبيين وجه الاختصاص ، لا يتحصّل . فإذا بطل صرف الاختصاص إلى الجهات المذكورة ، لم يبق بعدها إلا القطع بأن كلام الباري سبحانه وتعالى يختص به اختصاص القيام ، وإذا تقرر ذلك ترتبت عليه استحالة كونه حادثا بقيام